(إلى أنيس المدفأة: الكوني الإحساس..إلى الشهيد الخالد: عمار الأعسر)
(فاتحة: قصر تحوَّل إلى مركز عسكري. حول المدفأة يتحلق الشاعر، عمّار الأعسر، وعدد من الرفاق)
الشاعر:
جئنا لقربِ المدفأةْ
قصرٌ
حدائق وارفاتٌ
حجرٌ وتمثالٌ وطوبٌ
مكتباتٌ
قد تحرَّرَ فِكْرُها
من ربْق إقطاع الزمان المستباحِ
تحوَّلتْ قصراً لأمَّةْ..
بعدما كانتْ مَذَمَّةْ
جئنا لقرب المدفأة
ليس تعرفنا امرأة..
إلا تحيّة مريم مرفوعةً للزوبعةْ..
قبْلَةُ الرفقاء أنتِ
بين ألسنةِ الصنوبرِ
مؤنساتٍ
وحشةَ البردِ الملفّح بالحكايا الموجعةْ..
عمّار الأعسر: سميتك الدفء المهاجرَ للبعيدِ
يا ابنة السهلِ العنيد..
سميتُكِ الصبح المخبَّأ
تحت كثبانِ الجليدِ..
سميتك الظُهْرَ المحمّى
نار فوّهة اللهيبِ..
سميّتُكِ الليل المسمى
وقت ترحالِ المغيبِ..
الشاعر: مريمٌ تأتي
مريمٌ تمضي
للقدسِ
للجولانِ
للانطاكِ
للهلالِ الخصب للوطنِ المقسّمِ والموزعِ
والشريدِ..
مريمٌ لم تختلِ
إلا «بدروس» بعلبكٍ حُبُّها وحبيبها..
قبل الرحيل بلحظةٍ..
عرف الإله البعلُ لابنته
أولى وآخِرَ ضَمَّةٍ
للهيكل المنحوتِ في قلب الصبيّةْ
جاءت لآلهةِ الهياكل غادةٌ
ركعتْ على درجِ الحضارة
شمعةً،
تقوى
جسارة..
غادةً
تأبى
الإثارة..
فإذا بفينوس تُلملم حُسنها خجَلاً وتمضي
من وجه صبح المريميةْ..
مدهوشةً زوجُ الإله تقدَّمَتْ
وضعتْ على رأسِ الصبيةْ
إكليل سوريا الجدودِ
وضعتْ بكف ربيعها البضى السموحِ
سلاً من العنبِ المعتقِ والجديدِ..
عمّار الأعسر: آه لمريمَ
أغنياتُ الحبِ في كفيّك مرسالٌ
يسلمُِّهُ بريدي..
أجملُ الأحلام لقياكِ حضوراً في منامي
عيناك فانوس يشعشعُ في ظلامي
يا صعبةً متعندةْ
يا جرأةً متجددةْ
يا شعلةً متمردةْ
أمنيات الثأر في عينيك موّالٌ
يوشِّحهُ نشيدي
ويعشقُهُ وريدي..
الشاعر: هل تكتوي بالجمرِ جلستُنا الخطيرة؟
أم تكتوي بالنار رحلتنا الأخيرة؟
هل نحتسي نَخْبَ المساء المجْهَدِ؟
أم نحتسي نخبَ الصباحِ المبْعَدِ؟
(يُمْسكُ عمّار الأعسر بملصق مريم خير الدين بين يديه وتغيب نظراته في وجهها)
عمّار الأعسر: «حرمون» يرمقها
نشوانُ من خطو لمريمَ نحو خصْلةِ شعرها
المتروك في طيات أوراقِ الكتابِ المستريحِ بحضنها:
- الخالدون –
من هنا مروا وكانوا مسرعين
من هنا الأرض التي حبلت بوعدِ مجيئهم
منذ آلافِ السنينْ
من هنا عبروا ونعبر خلفهم..
اليومَ وحدُكِ تعبرين..
وغداً أجيءُ فتعرفينْ..
الشاعر: «حرمون» شيّعها..
وحفيفُ أوراقِ الخريفِ مودِّعٌ
آثارَ شارعها..
ودويُّ تشرين الكرامةِ ليس إلا
بعض وقعٍ من خطاها..
حاملاً جوعَ السنابل شعرُها
لحقول جوعٍ هالكٍ تحت الجراد الطائفيِّ
خبزٌ يسمم طيّباتِ مآدب الغرب النهومِ
البربريِّ..
هاتفٌ جوعُ السنابل وحدها
لنداء عطر من شذاها..
عمّار الأعسر:
خبزٌ لابن الآب والقَدَحِ المقدَّسِ شعرُكِ
القدسيِّ يا بنتَ إسلامٍ لانجيلٍ وقرآنِ
يا بنت رقصٍ دائريِّ زوبعيْ
للدراويش المضمَّخِ وجْدُهم
بعبير إيماني..
يا بنت فيضِ الفاتحةْ
خطوكِ الوعد وحلم البارحة
وجهك الصبح لأمَّةِ نهضةٍ متسامحةْ
لكنَّها
متسلِّحةْ..
طيرُكِ الفينيقُ مشتعلاً يغيبُ
عبر أحلام النسور الجارحة..
(فوق المدفأة على الجدار، ملصق عليه كتابة للزعيم. يقترب عمّار من الملصق ويقرأ بصوت عالٍ:)
عمّار الأعسر: اسمعوا.. بعض أقوال الزعيمْ:
«النهضة القوميّةْ..
جاءت لتحرق كي تضيء
تحرق الآتي بها..
تحرق الباغي بوجه مسيرها..
لتضيء أمتنا التي
ظنّها الأعداءُ منقرضة»..
(يمسكُ الشاعر بملصق مريم خير الدين ويتأمله:)
الشاعر:- فلتكتوِ بالجمرِ وجنتها الجسورة..
فلتكتوِ برحيلها المرصودِ آلامُ المسيرة..
(يلتفت الشاعر صوب عمار ويسأله:)
الشاعر: هل كنت تعرف سر وجهتها؟
أم أنت حامِلَ طلقةٍ
لدويِّ قصتها؟
هو ذا الصنوبرُ راحلٌ
في حُضْنِ مدفأة البقاع..
هل تبتغي..
إنهاءَ مرحلةِ الضياع؟
عمّار الأعسر: لا تسألوني..
يا رفاق الدرب عن معنى احتراقي..
امَّةُ الآلامِ في جمْرِ الزعيمْ..
تشتعلْ، تخبو، لتغفو فترةً ثمَّ تقومُ..
لا تسألوني..
عن نداء الدمِّ في وهج العيونِ
لا تسألوني
يا رفاق الدربِ عن معنى احتراقي..
مريمٌ
شوق الشهادةِ لا نعتاقي..
شُعلةٌ تخبو فيحييها اعتناقي..
(المشهد الأول)
(مركبةٌ فضائيةٌ تغادرُ مجرَّتنا وتدخل في مجرّة البرزخ. يتحلّق حول مرآة تلفزيونية تبث صورَ النجوم، عدد من رواد الفضاء الآتين من الهلال الخصيب:)
كورسُ روّاد الفضاء:
لنعاهدنَّكِ يا مجرّة برزخ القرآن
أنّا بدم نبيِّنا عيسى وأحمدَ نفتدي
أسداً هصوراً..
سجْنُهُ زمنُ الرهان..
سجْنُهُ زمن استلابِ خائفٍ
من الوقوفِ بوجْهِ طاغوتِ الهوانِ..
أسداً هصوراً..
قد تمّرسَ كيف يعلو قائداً..
بعدما افتقد المروءة والتضامن و الجنانا
بعدما افتقد الأمانا..
(تقترب من المركبة الفضائية خمسة نسور هيولانيةٍ كبيرة، لها وجوه بشرية! يعلن الدماغ الالكتروني للمركبة أن هذه الوجوه شبيهة بوجوه شهداء جنوب لبنان: عمّار الأعسر، حسن سالم محمد، علي طلبَة حسن، مريم خير الدين و الياس حرب:)
عمّار الأعسر: أهلاً بكم..
في برزخ الوعد الذي
حملته أجنحة البراق
لمحمد ولآلهِِ..
إنني..
نسرُ سوريّا المحلقُ نحو أبعاد المجرّة
بعثُ أمتنا الرؤومة للوليد الجَفْر
في حضنِ المعرّة..
حسن محمد: كيف يضلِّلُ ذاك المملوكُ المخصيُّ جموعَ النوبيينْ؟
كيف يضلّلُ ذاك الكشاش حمام النيلِ
جموعَ المصريين؟
قصْرُ القُبَِّعة يبكي
سجنُ القلعة يبكي
اخناتونَ واخناتونَ واخناتونْ..
علي طُلْبة حسن: للنيلِ حكاياتي
لنوافذِ شبرا
أدراج الجيزةِ
كُلُّ بداياتي..
ولقبرك عبد الناصر
كلُّ نهاياتي..
مريم خير الدين: إنني مريمْ..
لم أجدْ وقتاً لعيسى
كي أسَلِّمَهُ الأمانة والوصيَّةْ
آتياً عبر الحواجز
والمسافات القصيَّةْ
لم أجدْ وقتاً لعشقٍ.
غيرَ تقبيل الهضابِ العامليّةْ..
أحدُ رواد الفضاء كأنما أصيب بلوثة:
يا ابنة الأرز استفيقي استفيقي
فالمريميَّاتُ أنارتْ
للربِّ أدغالَ الطريقِ..
الياس حرب: أنا القدِّيسُ مطروداً أتيتُ
من جبالِ النار والصخرِ الحزينْ..
من كهوفِ الزُهْدِ والإمْلاقِ إكراماً
لتنورينْ..
انّني أدركتُ سرَّاً
عن عذاباتٍ لمُنْعِمْ
أو لشرْبل
أو لقسيس تسَمَّرَ
أو تصنَّمَ
في متاهاتِ التعصُّبِ خِدْعةً
للمؤمنينْ..
إنني دمّرتُ«أصوات الدَجَلْ».
«وإذاعاتِ يَهُوذا»..
ذلك الغرُّ المعهر والمسخّر دميةً
في حبال الطامعينْ..
وغداً رفاقي في السُمْرِ ألقاهمْ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |